السيد محسن الأمين

17

أعيان الشيعة ( الملاحق )

إن هذه المظاهر الاحتفالية التي تقام في النبطية ، لها ما يشبهها ، في احتفالات إيران والعراق ، حيث تقام ، إلى جانب المجالس العامة والحفلات التابينية ، مسيرات الحداد ، ومواكب اللطم على الصدور ، وهي عبارة عن : مجموعات شعبية يخرجون إلى الشوارع والأسواق ، مكشوفي الصدور ، أمامهم الأعلام ، يرددون أبياتا من الشعر العامي ويلطمون صدورهم لطما شديدا على نسق الوزن والروي الخاص بذلك الشعر ، وحسب نغمات الطبل والصنج والمزمار المنبعثة من الفرقة الخاصة السائرة في طليعة الموكب . . « 1 » كذلك تظهر مواكب السلاسل أو الزنجيل وهم يرتدون ثيابا سوداء منحسرة عن الظهر حتى الكتفين ، يحملون بأيديهم مجموعات السلاسل الحديدية يتراوح طول السلسلة بين السبعة والعشرة ( أنجات ) وجميعها تتصل بحلقة حديد مثبتة في مقبض خشبي يرفعونها بكلتا اليدين ، ويهوون بها على ظهورهم أو أكتافهم ، وذلك على وقع نغمات خاصة تصدر عن ضرب الطبول والصنج أمام الموكب ويرددون أبياتا من الشعر في رثاء الحسين ع على إيقاع تلك النغمات . « 2 » كما تظهر مواكب السيوف « 3 » ومسيرات الشموع « 4 » ومواكب التنبيه « 5 » أثناء القيام بتلك الاحتفالات . أمام هذا الكرنفال الدموي الشعبي ، المتشابه في كثير من الأقطار الشيعية يبدو كل تفسير محدود يستند على الدافع الاقتصادي مثلا أو التحريك السياسي المحلي أو الدافع الترفي . . تفسيرا مجتزءا وهزيلا . إن جميع هذه الاجتهادات ، تدور حول هذه الظاهرة ، أو تتم بمناسبتها ، ولا تفسرها . إن الدافع الحقيقي هو في الواقع دافع عقيدي ، حرضته مذبحة تاريخية ، وأججه اضطهاد مركز ومستمر ، مما خلف في طبقات الوعي المطمورة للوجدان الجمعي الشيعي ، رغبات غامضة ودفينة ومتناقضة في استحضار الماضي ، والتكفير عن التقصير ( تقصير الأجداد ) بتعذيب الذات ( يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما . . ) - والاحتجاج بالتظاهر والحشد . . كما بالإمكان ملاحظة إحباطات مزمنة ومتمادية ، تنفجر في هذا الشكل من السلوك الجمعي . رسالة التنزيه في أعمال الشبيه نتساءل : كيف تعامل السيد محسن الأمين مع هذه الظاهرة ، كيف نظر إليها ، وما هو التفسير الذي قدمه لفصولها ، وهل كان فقيها اعتياديا في حكمه عليها أم كان عالما اجتماعيا ومحللا نفسيا سبر أغوار الجماعة البشرية ، وأدرك خفايا سلوكها في التعبير عن صبواتها المكبوتة ، ورغباتها في التبرير أو الانتقام في هذا العمل من إسقاط الماضي على الحاضر ؟ ثم نسأل : كيف واجه الرجل هذا التيار الجارف من السلوك الجمعي للعامة وهل كان يكفي اعتبارهم من العوام أو القشريين أو الطغام على حد تعبيره ، لتفسير الظاهرة ، والتصدي للنواحي المرضية فيها ؟ لقد فعل السيد الأمين ذلك ، من خلال عمل إصلاحي كبير ، أخذ منه الجهد وجشمه المشقة في التأليف والجدال والرد والمواجهة . . من خلال رسالته المعروفة ب رسالة التنزيه في أعمال الشبيه . 17 والواقع أن الرجوع إلى التسلسل الزمني لكيفية تعامل السيد الأمين مع الذكرى الحسينية أو المأتم الحسيني ، يظهر لنا أن الرجل قد وقف موقفا نقديا مبكرا من النصوص التي تلقى في المجالس الحسينية ، ومن خطباء هذه المجالس ومن أعمال اللطم والتفجع والتطبير وشق الرؤوس التي كانت تصاحب هذا المأتم . فهو ، منذ صغره ، وقد تحدر من عائلة دينية حسينية عاملية تقيم المأتم وتحافظ على شعائره ، لاحظ شيئا من الخرافة تشوب تلاوة النص الحسيني ، ويذكر أنه : كان يقرأ في جبل عامل ، في عشر المحرم ، ليلا ، فقط في كتاب يسمى المجالس ، مخطوط من تأليف بعض أهل البحرين ، فيه عشرة مجالس مطولة جدا ، يجتمع منها كتاب ضخم ، والسعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب ، ويملكه وفي أوله هكذا . ثم يبتدئ في ذكر حديث مكذوب أشبه بالقصص المخترعة في هذا الزمان ، أو صحيح ، لكن زيد عليه أضعافه من الأكاذيب ، في أثنائه وفي آخره . وهذا الكتاب قد رأيته وأنا صغير السن ، وعلق بذهني منه حديث عن فاطمة بنت الحسين ع أنها رأت طيورا بيضاء تمرغت بدم الحسين ع وجاءت حتى لوقفت على حائط دارها في المدينة « 6 » ثم يردف ، عن هذه القصص ، أنها أشبه بالقصص التي تتلى في المقاهي في هذا العصر . « 7 » إن مثل هذه القصص ، ينكره السيد ، كما ينكر خرافات أخرى تماثلها ، في التلاوة ، يلحقها ب الأخبار المكذوبة والأغلاط الشائنة « 8 » على حد تعبيره ، فقد : ذكر مرة رجل واقعة الجمل فقال كان اسم الجمل عسكر بن مرديه . فقلت في نفسي الجمل كثيرا ما يعرف باسم ، أما أن يقال ابن فلان أو ابن فلانة ، فلم يسمع به . . . فسألته . قال هذا موجود في البحار . فإذا فيه : وكان اسم الجمل عسكرا . ثم ابتدأ بكلام جديد فقال : ابن مردويه . . . « 9 » ويبدو السيد الأمين ، إلى جانب ملاحظته ، متأثرا بأستاذ يكن له الكثير من الاحترام ، تلقى عليه الدراسة في مدرسة بنت جبيل ، هو الشيخ موسى شرارة . « 10 » لذلك ، فقد وضع نصب عينه ، تأليف مجالس حسينية خالية من الأخبار المكذوبة ، فألف لواعج الأشجان والمجالس السنية لهذه الغاية « 11 » دليلا للخطباء ومستندا للذاكرين يعتمدون عليه في تنقية ما يلقون ويذكرون من سيرة الحسين ع . « 12 » كما وضع هذا الأمر بالذات ، في جملة منهجه للإصلاح ، حين ورد دمشق في أواخر شعبان 1319 ه ، حسب قوله في كتابة سيرته . « 13 »

--> ( 1 ) الكاشي - عبد الوهاب . حلقة دراسية حول عاشوراء ص 15 ( مذكور سابقا ) . ( 2 ) الكاشي - عبد الوهاب . حلقة دراسية حول عاشوراء ص 15 ( مذكور سابقا ) . ( 3 ) المصدر نفسه ص 16 حيث ينظر وصفها . ( 4 ) المصدر نفسه ص 16 حيث ينظر وصفها . ( 5 ) المصدر نفسه ص 16 حيث ينظر وصفها . ( 6 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص 26 . ( ذكر سابقا ) . ( 7 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص 26 . ( ذكر سابقا ) . ( 8 ) المصدر نفسه ص 75 . ( 9 ) المصدر نفسه ص 75 . ( 10 ) المصدر نفسه ص 23 . ( 11 ) الأمين ، محسن في كتاب . . سيرته بقلمه . . ص 27 . ( 12 ) الأمين ، محسن . . المجالس السنية ج 1 ص 3 من المقدمة بقلم حسن الأمين . ( ذكر سابقا ) . ( 13 ) إنه يقول : . . . وردنا دمشق . . فوجدنا أمامنا أمورا هي علة العلل ، ولا بد في إصلاح المجتمع من انظر في إصلاحها . . أما الأمر الثالث ، وهو إصلاح إقامة العزاء لسيد الشهداء ع ، انظر الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص 72 ، 73 ، 74 ، 75 . .